الادب والقصه

سامحه.. فهو يعتقد أن عادات قبيلته هي قوانين الطبيعة” – جورج برنارد شو

في زمنٍ تتقاطع فيه الثقافات وتتصادم فيه الأفكار، يُصبح فهم الآخر من أرقى أشكال الوعي الإنساني. قال الكاتب والفيلسوف الإيرلندي جورج برنارد شو:
“سامحه.. فهو يعتقد أن عادات قبيلته هي قوانين الطبيعة.”
ورغم بساطة العبارة، إلا أنها تفتح أبوابًا للتأمل في أعماق النفس البشرية وسلوك المجتمعات.

القبيلة.. والمقدّس الاجتماعي

منذ بدء الخليقة، والإنسان يسعى للانتماء. فكان الانتماء للقبيلة، للعائلة، للمجتمع، جزءًا من تكوينه النفسي والاجتماعي. ومع هذا الانتماء، تتكون منظومة من العادات والتقاليد التي تُنقل من جيل إلى آخر، وتُمارَس وكأنها قوانين لا تقبل النقاش أو التغيير.

هنا تأتي خطورة الاعتقاد بأن هذه “العادات” هي حقائق كونية، أو قوانين طبيعية غير قابلة للتغيير. فيتحول ما هو اجتماعي متغير، إلى “مقدّس” يصعب تجاوزه أو حتى مساءلته.

فهم الآخر.. لا يعني قبوله فقط، بل فهم جذوره

عندما يُخطئ شخص ما، أو يتصرف بطريقة لا نفهمها، فغالبًا ما نندفع نحو إصدار الأحكام، وننسى أن كل إنسان هو نتاج بيئته، تربى في ظروف محددة، وامتص أفكاره من المحيط الذي نشأ فيه.
أن تسامح لا يعني أن تبرر، ولكن أن تدرك السياق.
أن تفهم أن الشخص لا يرى العالم بعينك، بل بعين قبيلته، مجتمعه، ثقافته، وحتى جراحه القديمة.

التسامح كقوة لا كضعف

في ظل الصراعات الفكرية، والنقاشات اليومية التي قد تصل إلى حد العداء أحيانًا، يصبح التسامح أداة ثورية، تعكس قوة الشخص لا ضعفه. فأن تتجاوز ضيق الأفق، وتستبدله بالفهم، هذا دليل وعي ونضج داخلي.

قول برنارد شو لا يُراد به فقط التماس العذر، بل الدعوة لتوسيع الأفق:

أن ننظر للآخر لا كمخالف، بل كمرآة لمجتمع مختلف.

أن نتساءل دومًا: هل ما نراه “طبيعيًا” هو كذلك حقًا؟ أم أنه مجرد عادة تعوّدنا عليها حتى ظنناها قانونًا كونيًا؟

في الختام…

“سامحه” ليست مجرد كلمة. بل فعل إنساني راقٍ ينبع من إدراك أن العالم لا يدور حول عاداتنا فقط، ولا ثقافتنا فقط.
وأن الاختلاف، لا يعني الانقسام، بل يُمكن أن يكون بوابة للفهم، للتطوّر، ولرؤية أوسع للحياة.

فلنُسامح… ونتعلّم كيف نرى العالم بعيون مختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى