صدر مؤخراً كتاب لآلئ متألقة… عندما يكتب الأدب بأسماء النساء
بقلم د. منال إمام
في زمن باتت فيه الحاجة ماسّة لتوثيق التجارب الملهمة التي تتخطى التحديات وتفتح نوافذ الأمل، أطلّ علينا الكاتب والأديب محمد إبراهيم الشقيفي بكتابه الجديد “لآلئ متألقة”، الذي لم يكن مجرد عمل توثيقي، بل سيمفونية أدبية عزفت على أوتار النجاح، والإنجاز، والكفاح الصامت للمرأة العربية.
في هذا الكتاب، تلمع أربع وعشرون لؤلؤة، كل واحدة منهن تمثل قصة متفردة من قصص التألق، والتحدي، والتميز في مختلف المجالات. من الأم الصابرة، إلى العالمة الباحثة، إلى الكاتبة والأديبة، إلى الإعلامية والمبدعة، اجتمعت هذه النساء على منصة واحدة، صنعها قلم مخلص أراد أن يُعيد للمرأة مكانتها في سردية الأمة، لا من باب التجميل الخطابي، بل من باب الاعتراف الواقعي والإنصاف الفكري.
الأم… أصل الحكاية ومصدر القوة
يفتتح الكاتب سرده من عند الأم، هذه التي حملت عبء الأسرة ورسّخت قيم التضحية، وتهل علينا في هذا السياق شخصيات مثل الحاجة ليلى عفيفي والدكتورة زينب رواش، اللتين جسدتا بحنانهن صبرًا فاق الوصف، ورعاية لا تعرف الكلل. في كلماته، تتحول الأم من دور اجتماعي إلى رمز كوني، يجمع بين الدفء والإصرار، لتؤكد أن كل تألق يبدأ من حضن أم.
نساء العلم… ريادة بالعقل والحب
في ميدان التعليم والبحث العلمي، يعرض الشقيفي نماذج نسائية تتألق بعلمها كما تتألق بأخلاقها.
الدكتورة منال الخولي تمثل نموذج الأستاذة التي تُعلّم بعقل الأم وقلب المربية. أما الدكتورة عواطف النبوي، فهي سفيرة الفكر التأملي في العلوم الشرعية، والتي تسعى إلى التوفيق بين جوهر الدين وروح العصر.
ونلتقي كذلك بـ الدكتورة منال الفرا، التي نسجت تجربة علمية وأكاديمية فريدة، عبر مزاوجة بين علم النفس والتاريخ والتربية والأمن القومي، مقدمة نموذجًا لما يجب أن يكون عليه الباحث متعدد الآفاق.
ومن الأسماء اللامعة أيضًا الدكتورة عبير شفيق التي رفعت شعار “السلوك قبل المهارة”، والدكتورة ريم عبد العظيم التي تناولت طرق رفع الكفاءة التربوية بأسلوب علمي رصين.
الصحافة والإعلام… الكلمة مسؤولية والرسالة أمانة
في عالم الإعلام، لا يسعنا إلا أن نقف أمام الصحفية مروة عبد المنعم، التي تقف بقلمها في وجه الإعلام المضلل، مدافعة عن الحقيقة، ومحذرة من فكر الإرهاب المغلف بشعارات زائفة.
وتتواصل مسيرة العطاء الإعلامي مع الدكتورة إيمان مقلد، التي حملت همّ الطفل المصري وأسرتنا جميعًا في رسالتها الإعلامية، فكتبت “المسكوت عنه” لتضع الإصبع على مواضع الغفلة.
ولا ننسى الناقدة نهى الرميسي التي وازنت بين قوة اللغة وثراء العاطفة، وكذلك الإعلامية المغربية هند الصنعاني التي خاطبت الوجدان العربي من منبر العقل والحكمة، مدافعة عن المرأة وهموم المجتمع.
من المنبر إلى المختبر .. نساء يصنعن الفارق
تأتي الدكتورة لمياء سليمان من حقل الكيمياء لتقدم نموذجًا نادرًا للباحثة التي حولت المعادلات الجافة إلى قصيدة من الابتكار، آمنت أن الكيمياء لا تنفصل عن الإبداع.
وفي ذات السياق العلمي، تضيء الصيدلانية أنوار محسن ناجي من اليمن الشقيق طريقًا مضادًا للاحتكار، فرفعت شعار “الدواء حق للفقراء”، مؤكدة أن الرحمة والطب يجب أن يسيرا معًا.
وفي مجال الدعوة، تطل علينا الدكتورة فايزة فضل من السودان، وهي امرأة نذرت علمها لخدمة الإرشاد الأسري والتوجيه الإسلامي المستنير، بينما جسّدت الأستاذة نفيسة خليل معنى الصبر والإيمان، أرملة شهيد لم تتراجع أمام ألم الفقد، بل جعلت من الوعظ منبرًا تربويًا لأجيال المستقبل.
إرادة فوق القيود… والتألق رغم الألم
واحدة من أعظم قصص الكتاب وأكثرها إلهامًا هي قصة منى منصور، السيدة التي لم تسمح لإعاقتها الجسدية أن تحدّ من طموحها. تحدت الصعوبات، وحققت إنجازات عظيمة في مجالات التدريب والإعلام والتعليم لذوي الهمم، وأثبتت أن الإرادة أقوى من العوائق، وأن النجاح لا يُقاس بالمكانة، بل بالقدرة على النهوض.
أدب، فن، وثقافة… قضايا الوطن بلغة الجمال
في ساحة الأدب، نقرأ عن الدكتورة سعدية العدلي، التي نقلت مشاعر الأمومة والوطنية في أعمالها، متوجة نفسها كصوت أدبي ينحاز للطفولة والإنسان وتسعى لترسيخ الابداع الهادف، كما نطالع تجربة الكاتبة نبيلة محجوب من السعودية، التي جسّدت أدبًا يتناول قضايا المرأة في مواجهة الفكر المتطرف، والروائية عطيات أبو العنين التي مزجت بين الخيال العلمي والواقع الاجتماعي بلغة سردية آسرة.
أما في ميدان الفن، فتطل الفنانة المغربية هدى الإدريسي، نموذج الفنانة الواعية برسالتها، تؤمن بدور الفن في تشكيل الوعي العام، وتوظف الأداء التمثيلي في خدمة القيم الإنسانية والوطنية.
المرأة صانعة الأثر وبانية الأوطان
لا يغفل الكتاب عن دور رائدات الأعمال، وعلى رأسهن سوزان الهواري التي حوّلت التحديات إلى فرص، والمهندسة سامية مصطفى، التي تعمل كجندي خفي لخدمة المجتمع، بعطاء لا يُحد، خاصة في دعم الفئات الأكثر احتياجًا.
وفي ميدان التنمية البشرية، تطل الدكتورة رجاء محمود التي جمعت بين الطرح العلمي والهم المجتمعي، مدافعة عن البيئة والمرأة والريف، في توليفة نادرة من الفكر والتطبيق.
إنصاف الكلمة وبصمة الذاكرة
لآلئ متألقة ليس كتابًا عاديًا، بل وثيقة إنسانية تسعى إلى إنصاف المرأة العربية، وردّ الجميل لصاحبات العطاء الصامت. لقد نسج محمد إبراهيم الشقيفي من الحروف حياة، ومن القصص ضوءًا، وجعل من كل امرأة فيه مرآةً صادقة لذاتها وشاهدًا على عصرها.
في زمن سريع النسيان، يأتي هذا الكتاب ليحفر أسماء النساء في ذاكرة لا تصدأ، ويضع على جبين كل سيدة متألقة وسامًا من الكلمات… لا يبهت بمرور الزمن، بل يزداد بريقًا كلما قرأناه.
تحية تقدير للكاتب الأستاذ محمد إبراهيم الشقيفي، الذي أنصف المرأة بقلمه، وخلّد بصماتها في صفحات من نور، لم تكن كلماته مجرد حروف، بل شهادة وفاء وإنصاف لجمال الإنسان وصناع التغيير في صمت، جزاه الله خيرًا على هذا العمل النبيل، وجعل أثره ممتدًا في القلوب والعقول..



