تقريض
بقلم/ د. نافذ الشاعر
ما أكثر ما يثير الأدب في نفوسنا من العجب، وما أعجب ما يثيره حين يخرج عن المألوف ويأتي بما لم تألفه الأذهان، ولا تطمئن إليه الأنفس لأول وهلة. ولقد كان حظي من هذا العجب كبيرًا حين وقعت بين يدي رواية “حمارة خالتي” للأديبة الواعدة فايزة شرف الدين.
لقد قرأت لها من قبل روايتين، فكانت لي بهما معرفة غير يسيرة بأسلوبها وطريقتها في التعبير والتصوير. ولكنني – والحق أقول – حين هممت بقراءة هذه الرواية الثالثة، وجدت في نفسي شيئًا من التردد والانصراف. فما الذي يعنيني في رواية تُروى على لسان حيوان أعجم؟ أليس هذا مما يحمل القارئ على الظن بأن الأمر لا يعدو كونه ضربًا من الخيال الجامح، واللعب الذي لا يورث فكرًا ولا يحرك عاطفة؟
ولكنني مع ذلك غالبت هذا الشعور، ومضيت في القراءة على مضض، فإذا بالرواية تستحوذ على نفسي شيئًا فشيئًا، وإذا بالكاتبة – بفنها ورهافة حسها – تنقل إليّ عالماً آخر لم أكن أتوقعه. لقد وجدت بين سطور هذه الرواية حزنًا عميقًا وأسى دفينًا يكشفان عن ظلم بني الإنسان للحيوان، وعن جفوة قلوب أولئك الصهاينة الذين ينظرون إلى غيرهم بعين الاستعلاء والعنصرية، فيعاملونهم كما يعامل الطغاة الأسرى المغلوبين.
وما كان أبدع الكاتبة حين صاغت مشاعر هذه الحمارة البائسة في صورة تثير الرثاء وتبعث على التأمل. فقد عاشت “دليلة” حياة هانئة في بيت صاحبها “ناجي”، ولكن غيرتها من زوجته “ديما” دفعتها إلى الفرار، لتقع في قبضة الأعداء الذين ساقوها إلى الأسر في (مشاف)، فعانت من الذل والهوان، ثم تنقلت بين محمية طبيعية ومسرح للهو، حيث لم تكن سوى وسيلة للتسلية في أحد أعيادهم.
وما كان أقسى على النفس حين قررت الحمارة “دليلة” الهرب بمعاونة حمار آسيوي شاركها في المعاناة، فعادت إلى بيت ناجي بعد رحلة طويلة شاقة، ولكن لم تكد تطمئن إلى مأواها حتى جاء الطغاة يطالبون بها، فانتزعوها من مأمنها، ولم يلبث أن وُلِد لها جحش حملت به من الحمار الآسيوي. وحين حاولت أن تفر به إلى حيث لا يطولها ظلم، إذا بالأعداء يلاحقونها مرة أخرى، ليقرروا في النهاية أن يحتفظوا بالمولود وحده، على اعتبار أنه من نسل آسيوي صهيوني، غير عابئين بمشاعر الأمومة التي تربط بين البهيمة وولدها.
لقد أحسست وأنا أطوي صفحات الرواية أنني أمام مأساة حيّة تذكّرني بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وبنفاق هؤلاء الذين يدّعون التحضر وهم في أعماقهم غارقون في بربرية موغلة.
وهكذا كانت “حمارة خالتي” رواية آسرة، كشفت عن بشاعة الظلم حين يتخفى وراء شعارات مزيفة، وعن قسوة القلوب التي لا تأبه لآلام الآخرين وإن كانوا من الحيوانات العجماء. ولا يسعني في الختام إلا أن أحيي أديبتنا الموهوبة “فايزة شرف الدين” على هذا العمل الفذ، وأن أدعو القراء والنقاد إلى التوقف عنده وإمعان النظر فيه، فإن فيه عبرة وموعظة، وجدارة لا تنكر ولا تُجحد.
د. نافذ الشاعر
9 أكتوبر 2024



