مونودراما ((سأرحل واقفة!!)) عن رسائل “نجمة الإغراء مارلين مونرو”
تأليف : شريف سمير
(( زووم إضاءة من وسط صالة المسرح فوق سجادة حمراء وتصفيق حار من الجمهور مع عدسات كاميرات المصورين والصحفيين .. تسير بطلة الليلة بفستانها الأنيق وشعرها الأشقر الناعم وتصعد فوق خشبة المسرح لتتسلم جائزتها العظيمة عن مجمل أعمالها السينمائية الخالدة .. وتحيي رئيس المهرجان الدولي وتلوح لمعجبيها .. ثم تتوجه إلى المنصة للإدلاء بكلمتها أمام العالم وتبدأ بابتسامة عريضة كلها نشوة وابتهاج وتخاطب عشاقها قائلة:
“أنا أتعس امرأة على هذه الأرض …. لم أستطع أن أكون أما .. إني امرأة أفضل البيت .. الحياة العائلية الشريفة الطاهرة .. بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة .. لقد ظلمني الناس .. نعم .. علىَ أن أعترف أمامكم جميعا وبمنتهى الأمانة حتى ولو كانت هذه هى آخر كلماتي وآخر مشهد لي أمام أعينكم .. إن العمل في السينما يجعل المرأة سلعة رخيصة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة .. أشكركم وأحبكم جميعا”!!
وتسير البطلة بالمنصة على عجل متحرك لتغادر القاعة وسط صمت رهيب ووجوم يخيم على المكان لتخفت الإضاءة .. وتضاء بؤرة أخرى في جانب من المسرح وتتحول المنصة إلى مرجيحة بأحبال مرتفعة تلهو فوقها البطلة في طفولة وبراءة وتتحدث إلى مربيتها الغائبة قائلة :
“وحيدة.. أنا دائما وحيدة، مهما حصل .. لاأريد الشخص الذي يراني جيدة فقط، بل أريد الشخص الذي يعتقد بأنني سيئة، ومع ذلك يصر على البقاء معي .. صدقيني يا عزيزتي ربما أكون كل شيء عدا أن أكون امرأة مهزومة .. أعدك أني سأموت واقفة .. شجاعة .. واثقة!”.
تخفت الإضاءة تدريجيا، فتقود منصتها المتحركة لتتحول إلى مكتبة بها أرفف من الكتب وتبدأ في التقاطها قائلة : “يوليسيس” لجيمس جويس، و”رأس المال” لكارل ماركس، و”الميتافيزيقا” لأرسطو، و”السلاحف الأليفة” لجوليان برونسون .. مئات الكتب .. مئات التجارب .. ستظل عشقي وسلاحي لكشف زيف الإنسان ونزع أقنعة الثقافة والادعاء .. فلن تعرف أبدا ما هى الحياة، إلا إذا عشت التجربة .. ووراء الابتسامة والماكياج أنا مجرد فتاة … ” … إظلام مفاجئ .. فتشعل البطلة شمعتها الوحيدة وتستطرد :”تتمنى فى هذا العالم” ….. وتطفئ الشمعة لتظهر بؤرة إضاءة زرقاء في خلفية المسرح والمنصة صارت شيزلونج ترقد فوقه البطلة وتتحدث :
“أؤمن بأن كُل شيء يحدث لسبب، حينما يتبدل الناس تتعلم كيف تترك .. كيف تفرط .. كيف تحطم قيودك .. وحينما تسوء الأمور تدرك قيمتها حينما تسير في المسار الصحيح .. تخدعك الأكاذيب، فتدرك في نهاية المطاف أنه لايمكنك أن تثق بسواك .. في بعض الأحيان تتلاشى الأشياء الجميلة فتفسح مجالا لأشياء أجمل” .. … فاصل بأغنية ناعمة بعنوان “قطعة سكر” وفي نهايتها يظهر أفيش فيلمها الشهير “البعض يفضلونها ساخنة”!
وبعد فاصل من الفيلم المثير رقصا ومرحا ورومانسية .. ترقص البطلة في عزلة بملابسها الرشيقة وصوتها يعلو بالتمثيل والفخر :”إن مهنة ناجحة لأمرٌ مذهل، و لكننا لانستطيع أن نتغطى بها في الليل حينما نشعر بالبرد” .. ثم تهبط إلى الجمهور في صالة المسرح وتوزع عليهم قطع الحلوى وهى تخاطب فردا فردا قائلة : “أبدو مجنونة، لكني أعتقد أني مصابة فعليا بالجنون .. إن هوليوود هو مكان يدفعون لك فيه 50 ألف دولار مقابل قبلة، و50 سنتا مقابل روحك .. أعلم أني لن أكون أبدا امرأة سعيدة .. وقد أشعر بالمرح ولكن طعم السعادة الحقيقية لم أذقه أبدا” .. ثم تلقى بسلة الحلويات على خشبة المسرح لتتهشم ذرات أمام الجميع بصوت صادم .. فتنظر إليها ثم تحدق في وجوه الحاضرين بدمعة تذرفها عيناها وتهمس :”ولن أذقها أبدا”!.
تتحول الخشبة إلى فضاء كامل لايوجد به سوى بؤرة وحيدة في المنتصف من خلال زووم متحرك وتظهر البطلة ممسكة بدميتها الصغيرة وتحدثها في حنان ودفء :”شعرك جميل .. ناعم كجسدك النحيل .. أنسى العالم وكل العيون التي تحدق بجسدي وشعري وعيناي وانا أصفف خصلاتك الرقيقة .. أستمتع بموهبة الرضاعة وصدري يحتضن فمك البرئ .. اشربي .. اشبعي .. املأي قلبي عطاء وحبا ونهرا من المشاعر الفياضة” .. ثم تهم بالذهاب إلى جانب المسرح مع حركة الزووم متجهة نحو حمامها الخاص وصوت المياه يغمر آذان الجمهور فتقول :”الاستحمام معك يذهب العقل ويسكر الروح .. انظري كيف يعشق الماء الحوار مع كل حواسك .. وما أروعها من رائحة تستنشقها أنفي وأنا هنا في هذا المكان الذي اعتدت به تبديل ثياب الزيف ورداء الكذب والطمع” .. ثم تنشف الدمية وتذهب بها إلى فراش البطلة لتنام في حضنها وهي تردد لحن أغنية طفولية هادئة بصوت الصفارة من فمها بأسلوب بارع ومتقن كما لو كان عزفا منفردا عالميا .. ثم تغطي الدمية بعد تقبيلها قائلة :”أشكرك يا الله على تلك المنحة الرائعة .. التي لم تهبني إياها”!..
ومع الإظلام التدريجي .. تتصاعد موسيقى رومانسية شهيرة لموتسارت أو بيتهوفن أو باخ وسط إضاءة حمراء توحي بمقهى شاعري ونرى البطلة ترتدي فستان سهرة أنيقا وترقص بمفردها مخاطبة شخصا في خيالها :”عشت عمري كاملة أحلم بتلك اللحظة التي أنظر فيها إلى عين تحترم إنسانيتي قبل أن تشتهي جاذبيتي .. أنت .. لاأعرف كيف امتلكتني .. خدرتني .. أقنعت قلبي بإشاراتك قبل لمساتك .. دعني أرقص معك طوال الليل .. طوال العام .. طوال العمر .. لاتذهب بعيدا بعد أن وجدتك وسط زحام المعجبين ونظرات الراغبين” .. وتهم بالحصول على قبلة من شفاه الحبيب الغائب .. وإظلام مفاجئ مع ظهورها بمفردها على خشبة المسرح وتتحول الرقصة الهادئة إلى رقصة أخرى صاخبة تبرز براعتها في التعبير أمام الكاميرا وكأنها في أحد أفلامها السينمائية خلال أول ليلة عرض .. وفور انتهائها تتصاعد أصوات الجمهور والتصفيق الحار متقاطعة مع دموعها المنهمرة العالية!.
تضاء بؤرة خضراء في مقدمة المسرح وتحولت المنصة المتحركة إلى نعش تصعد إليه البطلة شبه عارية بنفس جسد الإغراء المعتاد عنها .. وتنام فوقه ورأسها إلى السماء لتردد: “أشعر الآن بالهدوء والسكينة .. فقد تحررت من عيون تلتهمني دائما .. وأفواه تنطق شهوة وتتنفس نشوة ولاتريد إلا الارتواء .. بلا عاطفة .. بلا قلب .. بلا احتواء …. وبإرادتي لا بإرادتهم .. سأرحل .. فمن يؤمن منكم برسالتي فأنا في انتظاره هنا .. ومن يكفر بها فليعاود إلى عالمنا الكريه .. إلى اللقاء”!.
إظلام تدريجي والبطلة تنهض .. لتموت واقفة!!



