الثقافة العامة

تأملات في رواية ” قنطرة إلى آباي ” للروائية ميرفت البربري

البربري
بقلم د. منال رشاد
تصدرت جملة العنوان النصي للرواية ” قنطرة إلى آباي ” موقع البؤرة كمفتاح للنص، وموقع العدسة الحدسية للمتلقـي، المفـصحة عن إيحاءات النص وإشعاعاته ، وكـدال إشاري تتقاطع دلالاته مع النص، فـ “القنطرة” لغويا : جسر مُتَقَوِّسٌ مبنيٌّ فوق النهر يعبر عليه، أما “آباي” فهو اسم النيل في اللغة الأمهرية الإثيوبية ، يدل على ذلك خطاب عبد الناصر إلى إمبراطور إثيوبيا هيلاسلاسي قال فيه ” نطالبكم بوقف بناء سد ( تيس أباي) ؛لأننا نعتبره تهديدا لحياتنا مما يستدعي تحركا مصيريا غير مسبوق”.
العنوان الرمزي :
إذا نظرنا إلى بداية القصة عندما عبر أياد بالمعدية من شقته إلى بيت والده المطل على النيل بدمنهور شبرا.، قال أياد لخليل المراكبي: لابد أن نقيم قنطرة لنصل إلى آباي فرد عليه خليل ها هو بيت أبوك يا فنان فلماذا تقيم قنطرة؟!
فأباي كما فهمها خليل وهي لهجة من اللهجات المصرية تعني الأب ، وكأن النيل هنا بمثابة الأب للمصريين فهو شريان الحياة لهم؛ حيث الأمان المتجسد في الأبوة، ثم تتعانق الخاتمة مع بداية الرواية لإبراز الغرض الأساسي من العنوان، وهو اقتراح ضرب “سد آباي” بدون إدانة لمصر متخذة في سبيل ذلك قنطرة للوصول إلى هذا الهدف كغطاء للعملية ،وهو اقتراح تصوير جزء من فيلم إياد في أثيوبيا ؛فالفيلم هو القنطرة التي نحتاجها للتخلص من الإرهاب الذي يهدد الأمان المائي بالنسبة للمصريين سد ( تيس آباي)؛ يتضح ذلك في الحوار بين المهندس سيد وعبد الجليل وإياد :” حتى إن فكرنا في ضرب السد لابد لنا من قنطرة لنصل إلى إثيوبيا، المسافة كبيرة ،ولابد من تأمين كاف للسلاح، نعم نحن نملك السلاح والقدرة على ذلك ولكن لابد لطول المسافة أن يكون هناك غطاء يحمي السلاح.”
– ابتسمت عندما التمعت في رأسي فكرة أن أقوم بتصوير جزء من الفيلم في إثيوبيا وعندما أخبرتهم بها.. نظر ثلاثتهم إلي بإعجاب، أتبعه المهندس سيد وعبد الجليل بنظرات متبادلة وكأن هذا ما جاءوا من أجله” ؛ لذلك نجد أن العنـوان هنا جاء كملحـق مـواز للـنص؛ لأنه يمتلـك العديـد مـن الوظائف، التي تجعل له كينونة يعد فيها نصا موجهـا قراءاتيـا، لمـضمون الرواية؛ “فسد آباي” يعد تهديدا للأمن القومي المصري فهو إرهاب غير مباشر للأمن القومي، وكذلك فكرة القنطرة لضرب السد تعد إرهابا مضادا لكن كنوع من مواجهة الخطر.
وبما أن الإنسان ابن بيئته فمما لا شك فيه أن هذه البيئة تنعكس على أفعاله وتبلور شخصيته ، كما أن العقد النفسية التي يتعرض لها الإنسان تتحكم في مسيرته فالبعض يتعامل مع هذه المشاعر بتعمد إيذاء نفسه أو غيره والقليل من يقاوم. وهذا ما حدث لأبطال رواية ” قنطرة إلى آباي “؛ حيث نجدنا أمام ثلاث سرديات لثلاثة أصدقاء نشأوا في بيئة واحدة لكن ظروف الحياة جعلت كلا منهم له شخصية مختلفة، ومع هذه الخطوط السردية الثلاثة هناك مساحات ارتباط واختلاف بينهم ، حيث توالى الكاتبة في عرض الشخصيات الواحدة تلو الأخرى مانحة كل شخصية ما يناسبها من حيث الأفكار والتعابير الموحية، وهذه الشخصيات هي “إياد وأحمد فاضل وهيثم شكري” ، وقد رسمت الكاتبة البيئة المحيطة بهم، والتي جعلت كل واحد منهم يسلك مسكا مختلفا عن الأخر؛ فأحمد فاضل ذو الأصل النوبي لم يكمل دراسته الجامعية بسبب وفاة والده؛ ولأنه العائل الوحيد لأسرته المكونة من والدته وثلاثة من الأخوة فترك الدراسة لينفق عليهم ، لم يكن معجبا بأي شخصية سياسية فقد كان يرى نفسه زعيما ، كما أنه كره فكرة السلطة ؛بعدما حدث موقف لوالدته وهو ابن سبع سنوات مع أحد نائبي الشعب ،عندما ذهبت إليه طالبة الوساطة ؛ لينقل أحمد إلى مدرسة قريبة منهم ؛ لتوفير أجرة المواصلات فتعامل معها النائب بفوقية وتعال، ثم انخرط بعد ذلك في العمل اليدوي ،إلى أن انضم لتنظيم داعش ، فقد كان تكوينه وحياته تتناسب مع ذلك، ولقد مارست الكاتبة لعبة الخروج من النسق الثقافي لدى أحمد فاضل بكل عناصر تشكله الديني والاجتماعي والعرفي واستطاعت أن تقدم بقصد مظهره وسلوكه اليومي على أنه رمز للتعبير عن رؤية مغايرة للسائد والمألوف في مجتمعنا؛ لترسم لنا من خلال ذلك صورة لتمدد تلك الأفكار في النسق الثقافي السائد في المجتمع ؛ولذلك لم يتب وما عاد كما عاد زميله هيثم شكري الفنان الغني ،الذي كان والده ضابطا وانضم أيضا لداعش، فقد ذهب إلى لبنان نتيجة صدمته العاطفية، ثم خرج من جنوب لبنان للانضمام إلى تنظيم “داعش” ؛ وكان لإطلاق لحيته وعدم اهتمامه بمظهره والحزن البادي على ملامحه؛ سببه هو حبه الضائع. ولكننا نجد أنه قد تاب وعاد مرة ثانية بعدما لاحظ التناقض بين تلك الجماعة ،وبين الإسلام الصحيح ،وأحداث هذه القصة تتناص مع قضية المغني فضل شاكر، وكيف تحولت شخصيته بالانضمام إلى داعش الإرهابية ، أما إياد فهو ابن نفس البيئة لكنه لم ينساق إلى ما حدث لصديقيه ربما لقراءاته المتعددة فهو الكاتب والمخرج والممثل ؛ فثقافته وانخراطه مع كثير من المثقفين حمته من ذلك على الرغم أنها فشلت في أن تجعله يرتبط بحبيبته ؛ فقط لأنها كانت مرتبطة بشخص قبله ؛ربما لأن ترسبات العادات والتقاليد لا تزال يتمسك بها الرجل الشرقي، وربما لأن التدين الظاهري قد وصل إلى منزله أيضا فلا زال متمسكا ببعض ما يقولون؛ فقد كان لأهل إياد نصيبا في التعامل مع الشيخ محسن محفظ القرآن، فكانت أخته الكبرى تأتي يومين في الأسبوع إلى بيت أبيها لينال ابنها دروس التحفيظ على يد الشيخ محسن، كما أن الكاتبة برعت أيضا في رسم العامل النفسي الذي جعل بعض الشخصيات الثانوية تسير على ما هي عليه ؛فقد رسمت شخصية أبو عمر القائد الداعشي بقسوته ووضحت أن سبب القسوة ؛ نتيجة لما فعله العراقيين من اغتصاب والدته في الكويت أمام زوجها وأبنائها ووفاة أخيه أمامه، وكذلك وصف “آسر” الشخصية الانتهازية الذي تزوج من علياء ابنة رجل الأعمال من أجل مكانة أبيها وماله، وكذلك تزوج من ابنة عمه من أجل ورثها من أمها، فقد استطاعت الكاتبة أن تلتقط التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية لشخصيات روايتها ؛لإبراز بعض المفارقات في العلاقات الانسانية؛ فالحياة اليومية بكل ما تحمله من تناقضات، غالبا ما تحفر في ذهن الإنسان ذكريات يصعب نسيانها؛ لذلك كان لحضور التفاصيل في الرواية حضورا وظيفيا ، فقد اصبحت هنا ضامنا من الضمانات التي بسببها تنشأ التحولات السردية ؛ فتصبح التفصيلة جزءا يسهم في تنظيم الفضاء الحكائي للرواية ، ويمكننا القول كان لاستخدام الكاتبة للتفاصيل في هذه الرواية عاملا يسهم في تنظيم عالم يحاكي الواقع ويتمثله سواء تعلق الأمر بالشخصيات أو تعلق بالأمكنة ؛ لذلك يمكن وصف هذه الرواية بما يطلق عليها الرواية الواقعية التسجيلية ،وذلك لأنها تسعى إلى أن ترصد الواقع في شموليته وفي تفاصيله الصغرى ودقائقه ،حيث تمتد الفضاءات التي تدور فيها أحداث الرواية عبر الأزمنة والأمكنة بداية من شبرا دمنهور – حي الزمالك – لبنان- سوريا- تونس – أثيوبيا”
وقد أهتمت الكاتبة بتفاصيل هذه الأمكنة وبدقائق حياة الشخصيات فيها والتي جعلت الرواية من هذا المنظور رجلة عبر الزمان والمكان متخذة من الواقع نقطة ارتكازها لتعريته.
على سبيل المثال هذا المشهد الذي تقول فيه:
“دخلنا حوارى دمنهور_ وكان لكل حارة ذكراها_، مررنا بحارة الجزارين حيث كنا نأخذ كلنا دروس اللغة العربية في بيت الأستاذ عزيز قبل أن تقام مجموعات التقوية بمساجد الجمعية الشرعية، انطلقنا لشارع أبو الخير ….مررنا بشارع رقم اثنين أشرت له على دكان عم حسن: بعد إحالته على المعاش كان عم حسن يجلس بجوار دكان حلوى الأطفال الذى افتتحه يشترى كل الجرائد اليومية، ليجلس بجواره كل من يمر عليه ويؤنس وحدته ويطالع الأخبار ويناقش عم حسن فيها حتى يؤذن المغرب فيصلى في مسجد القوات المسلحة ثم يصعد بعدها لشقته …. أصبحت الفيلا لا تناسبه فهدمها وأقام بيتا مكونا من أربعة أدوار سكن شقة من شققه. بعدها تحولت كل الفلل إلى أبراج ذات عمد وأدوار تربو على العشرة…. رأيت الكثير من هذه الأبراج التي ملأت حوارينا بلا تخطيط)
لقد عمدت الرواية بشكل لافت على إحياء الذاكرة المكانية للحارات والشوارع والأحياء والأسواق ؛ وكأنها ترسخ لفكرة المقارنة بين العمران في مدننا ، وبين ما ألحقته تلك المجموعات الداعشية من خراب في مناطق الصراع التي سيطرت عليها ؛وهي حين توثق الأمكنة والأحداث في وقت الصراعات هذه وتقارن بينها وبين أوقات السلم المجتمعي؛ تتحول بذلك إلى أحد أشكال النضال الذي بدوره يحمي الحقيقة من الضياع.
ففي هذه الرواية تم تعريت المجتمع الذي نعيش فيه؛ فكشفت الكاتبة القناع عن تلك القضايا المعاصرة ، والتي يعيشها مجتمعنا المصري، بل والعربي في الوقت الراهن وعلى رأس هذه القضايا ” قضية التطرف والإرهاب ” وهي القضية المسيطرة على أفكار الكاتبة. تناولت البربري في رواياتها كثيرا من القضايا الموجود بالفعل على الساحة مثل :” أزمة سد النهضة – النظرة الدونية إلى المرأة – هجرة سكان أهل النوبة – معاهدة كامب ديفيد – الشاب التونسي الذي أحرق نفسه محمد بوعزيزي – فتاوي الشيخ القرضاوي في ذلك؛ والتي جعلت كثيرا من الشباب يتخذ نفس النهج –مقتل راعي الأغنام مبروك السلطاني ذبحا والذي قتل على يد تنظيم داعش ؛ وبرر التنظيم قتل الراعي الصغير بكونه يساعد ضباط في الجيش التونسي لمعرفة أماكن تحصّن “الجهاديين” مقابل مبالغ مادية – أزمة تيجراي في أثيوبيا- الأيزيديون والحديث عن أصلهم وتمركزهم – الملحمة الشعبية الكردية لقلعة دمدم والأمير صاحب الكف الذهبي” ضد الصفويين” مما يدل على الثقافة الواسعة التي تتميز بها الكاتبة ، وفى مناقشتها لمعظم هذه القضايا نجد أن الكاتبة لا تعتمد على الملاحظة المباشرة فحسب، بل تمتد رؤيتها إلى أعمق من ذلك، فقد تناولت تلك القضايا وكأننا أمام موقفين متناقضين بين التشدد للدين المفرط وبين الحقيقة والتي حاولت إظهارها من خلال قرع الحجة بالحجة ؛وذلك من خلال إقامة بناء مفارق يعمل على توسيع الفارق بين النقيضين لإظهار الحقيقة. على سبيل المثال عندما تحدثت عن قضية المرأة ناقشت القضية من خلال مفارقة بين متناقضين نظرة الجماعات المتطرفة إلى المرأة وأنها عورة ومحاولة طمس هويتها، وكتم صوتها وإقناعها بأنها لا تصلح لأى عمل سوى الجلوس في منزلها ، وبين مكانة النساء في عصر النبوة والخلافة الراشدة مثل :القاضية سمراء بنت نهيك الأسدية وغيرها؛ حيث كان المعيار هو الكفاءة دون معايير تخضع للأهواء الشخصية.

في هذه الرواية تعطي البربري للشخصيات حرية الكلمة والتعبير، تاركة الشخصية تتحدث بنفسها عن نفسها تفصيلا؛ لذلك فقد تعدد الاصوات في الرواية فكثيرا ما كانت الكاتبة تتراجع عن دورها في العملية السردية وتترك فعل السرد لإحدى الشخصيات ، لتمارس دورها المؤصل لعملية السرد.
في الرواية أيضا ثمة شخصيات ثانوية تعيش أزمة متوترة من الانتماء تجاه هذا القطب أو ذاك وأقصد تحديدا شخصية “أخت إياد” والتي يتذبذب حضورها ووضعها ،فأحيانا نجدها تلك الفتاة المفعمة بالحياة والتي تمارس العزف على الآلات الموسيقية وقراءة مقالات إياد ، في حين نجدها في موقف آخر تلك المتشددة التي تجد ابنها يجلد من محفظ القرآن ، ثم تغضب من أخيها لتدخله في الأمر ، ثم تعود مرة ثانية بعد سفر زوجها لجهاده مع جماعته إلى حالتها الأولى.
كما أن حركة الأحداث ونسقها الزمني في هذه الرواية، تختلف حسب المسار السردي فهي تتسم بلغتها المتميزة ومشاهدها المتناوبة، مما تجعل من القارئ مترددا للحظات في القبض على مختلف الأزمنة، حيث خضعت فيها الأحداث للتحولات والتقاطعات السردية ،بما تحمله من إيحـاءات ودلالات ،بحيث يتشظى الـزمن من حين لآخر ؛فتنكسر خطيته ،وينفتح على أبعـاد زمنية مختلفة يتقاطع بين الحاضر والماضي ، وتتمثل ذلك استخدامها مثلا – الملحمة الشعبية الكردية لقلعة دمدم والأمير صاحب الكف الذهبي” ضد الصفويين؛ حيث جعلت من هذا النص نصا محكوما برؤيتها في نقل التجربة المعيشة في الزمن الماضي وإعادة صياغتها ومرتبة الأحداث تبعا لمنظورها ولما تأتى لها من عبقرية الحكي والإخراج.

كذلك استخدمت الكاتبة أسلوب المونتاج السينمائي وكأن آلة تصوير الكاتبة تتحرك من مشهد إلى مشهد تال له وهذه المشاهد بتنوعها وتقطيعها وتوالي السرد فيها بسرعة بثت في الرواية الحيوية والحركة التي تشعل حس القارئ وربما المشاهد إذا ربطنا ذلك بأسلوب المونتاج في شريط العرض السينمائي، حيث تتزاحم الأحداث وتواليها المتتابع من خلال الرصد الدقيق للتفاصيل اليومية لأبطال الرواية حتى تصل اللحظة النفسية إلى قمة توترها ويحدث التحول العظيم من النقيض إلى النقيض كما حدث مع سردية “هيثم شكري” .
تنوعت الكاتبة بين استخدامها تكنيك السرد والحوار سواء أكان حوارا داخليا أو حوارا خارجيا. ، فالمشاهد السردية في الرواية تنبئ بتعطيل الزمن الروائي، وتعلن عن إيقافه إلـى
حين انتهاء المشهد، واستعادة السرد لوتيرته، وبإمكان القارئ أن يلاحظ ذلك من خـلال
ملاحظة التوافق القائم بين زمن القصة وزمن الخطاب .
سمة غالبة في هذه الرواية وهي أن معظم قصص الحب فيها لا تنتهي بالزواج ، كما أن أحداث الرواية كثيرة ومتشعبة فهي محملة بكم كبير من التفاصيل والقضايا والتي كان بعضها حملا زائدا على الرواية ، وكان بإمكان الكاتبة أن تستخرج من هذه الرواية بعض الروايات المستقلة بذاتها.
وفى النهاية نرى أننا أمام كاتبة مبدعة استطاعت أن تمتلك أدواتها الفنية وتوظفها جيدا في روايتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى