الثقافة العامة

ثنائية الأصالة والوضاعة في رواية “جبال الملح” لأحمد القن

بقلم د. منال رشاد
لا شك أن العقد النفسية التي يتعرض لها الإنسان منذ صغره تتحكم في مسيرته، فالشخص الذي يتعرض للإهانة أو يكون منبوذا اجتماعيا، يشعر بألم نفسي مما يؤدي أحيانا إلى انتهاج سلوكا عدوانيا تجاه نفسه والمجتمع ؛ نتيجة لشعوره بأنه منبوذ اجتماعيا ، وهناك تشابك في العلاقة بين الألم النفسي واللذة. فبينما يشعر الشخص المنبوذ بالألم، فسرعان ما يكتسي الألم باللذة حينما تسنح الفرصة للانتقام؛ فالانعكاسات السلبية للدونية على تقدير الذات وفاعليتها ومدى تأثير ذلك على الاحساس بالانتماء الايجابي داخل الوسط الاجتماعي ،قد يكون لها رد الفعل العنيف تجاه الأخرين وليس هو الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها كل من يشعر أنه منبوذ من المجتمع، فالبعض يتعامل مع هذه المشاعر بتعمد إيذاء نفسه أو غيره وهذا ما تدور حوله رواية جبال الملح للروائي أحمد القن حيث نجدنا في هذه الرواية أما ثلاث سرديات يربطهما خيطا مشتركا واحدا وهو ثنائية ( الأصالة والوضاعة )؛هذه الثنائية ناتجة عن التهميش التي مرت بها شخصيات الرواية في سردياتها الثلاثة فهي محاولة لتسليط الضوء على ما يسببه التهميش الاجتماعي من خلال الشعور بالدونية في رسم حياة الشخصيات وملامح سلوكهم وعلاقاتهم ببعض ..
في هذه الرواية عرى الكاتب المجتمع الذي يعيش فيه فكشف القناع عن كل الفساد الموجود في المجتمع سواء أكان مجتمع القرية أم مجتمع المدينة ؛فقد أعمل عدسته متنقلا بين القرية والمدينة ليزيح القناع عن كثير من جبال الملح الموجودة في المجتمع .
والسمة الغالبة في هذه الرواية مأخوذة من رمزية العنوان ( جبال الملح ) والمكون من التركيب الإضافي والذي كان المضاف فيه جمعا ” جبال ” لتدل على كم الفساد المستشري في بلادنا ، وقد عبر عن هذا الفساد بلفظة ” الملح” هذا الفساد ليس فقط في المجتمع ولكنه “ملح” حتى في النفس البشرية..
يتماس العنوان في الرواية مع التصدير في بداية العمل؛ لأن هذا التصدير بشكل عام له أهميته في تنبيه المتلقي إلى الزاوية التي ينظر منها في قراءته للرواية ” ياما الأيام على ولاد الملوك حكمت..ما تقصد الندل في ُ عوزة ولو الظروف حكمت..اقصد راجل جدع ِ زين أصيل من الجدين “الأجداد”..ولا تقصد اللي على شنابه المرة حكمت”” فولكلور” وقد آثر الكاتب أن يجعله معبرة عن سردياته الثلاثة، حيث يبرز فيها الثنائية الضدية بين الأصالة والندالة” فهو محور الصراع وعقدة الحكاية في .
يمتد الفضاء الزمكاني في الرواية بداية من القرية وتفاصيلها إلى القاهرة ثم الإسكندرية ثم إسبانيا وقد أهتم الكاتب بتفاصيل هذه الأمكنة وحياة الشخصيات فيها ؛ ليضع بين أيدينا مفتاحا للفكرة المتسلطة عليه” ثنائية الأصالة والوضاعة”؛ ليصور لنا الواقع المتردي الذي يعيش فيه مجتمعنا.
– التشريد والتهميش عند ابطال السرديات الثلاثة:
وسع الراوي دائرته لتشمل الجوانب النفسية الخاصة والعامة للشخصيات، وما يتصل بعلاقتها بذاتها أو يتصل بعلاقاتها بالآخر؛ فالصورة التي رسمها الكاتب لبطل السردية الأولى تظهر في المشهد الأولى من السردية الأولى بوصف بطله “ابن عرس ” وهو مهمش منبوذ من مجتمعه ؛حيث نرى إجماع مجتمعي على وصف ابن عرس بالفرخ ” وهي ُ سبة بذيئة تداني الشرف وتنزع عنه الأصالة. يقال في ُ قرانا:(أمه فرخت بيه)؛ أي جاءت به من الحرام، فهو هنا دليل على وضاعة الشخصية حتى في لكنته فهو مختلف وشاذ عن الجميع فهو من القوارض، حيوان نشط يحيا على امتصاص دماء الدجاج الصغير ويحيا على الفتات- هنا أيضا تشابه بين بطلى السردية الاولى والثانية كما سيتضح ذلك لاحقا- ،كما أن لكنته تختلف عن الجميع وهذا منحه تفردا واختلًّافا.؛وهذا الاختلاف هو أصل الوضاعة فهو يختلف عن الجميع حتى في لكنته.، كما أنه يتلون كالحرباء حسب الموقف الذي فيه، فهو يصنع الأفاعيل، ويتواثب كابن عرس حقيقي وكعرسة مرنة كما وصفه الراوي في مشهد السوق وطريقة التعامل كأنه فصيل غريب جاء واستوطن البلده ، ومهما حاول واجتهد فهو في نظرهم ابن عرس والفرخ, هذه الدونية التي تعامل بها ابن عرس أفرخت لديه نوعا من الوضاعة فقيل عنه :” إن ذيله نجس” وكقولهم له:” يا ملقط ياللى ماليك أب يا ابن الكلب” فالصورة التي رسمها الكاتب لبطل السردية الأولى مستخدما ألفاظا واقعية ذات الألوان الشعبية الصارخة صورت أصدق تصوير مدى التهميش الذي تعيش فيه تلك الشخصية.
ثم ننتقل إلى بطلة السردية الثانية ؛ فمن أسرار اللعبة السردية عند أحمد القن في روايته تلك أن يستخدم نسق التناوب في تناول الأحداث ، حيث يتم التوقف عند نقطة الحكاية الأولى؛ ليتم الانتقال إلى الثانية، ثم العودة للحكاية الأولى، وهكذا إلى نهاية السرد وهنا يدخل المتلقي في زمن السرد أو اللحظة الآنية. فقد تشابهت بطلة السردية الثانية مع ابن عرس فهو أستاذها ومعلمها، فبطلة السردية الثانية تعاني من التهميش ؛حيث ترك الكاتب بطلته بدون اسم كنوع من التهميش لها فهي نكرة، أيضا يظهر التهميش للبطلة حين تقارن بين موقف أهلها منها وبين موقفهم من تؤأمها فتقول” شقيقتي التوءم بصحة جيدة، صرخت وقبلوها وسعدوا بها عني، أنا سقط متاع، ِ حمل زائد في صورة كيلوجرامات محدودة، قد يكونون تمنوا موتي- لعل تساؤلهم الأهم: متى أرحل؟” كذلك فإن أمها تشعر أنها نبت شيطاني فخافت أن ترضعها فمنحوني لبنا صناعيا بحجة أنها لا تكفينا فجعلني شاحبة، ولم يتطرق لضميرها أن تعدل بيننا، تزهد في البنات، وأبي غير مكترث أو متحمس، وكنت الأخيرة في خلفتهم، من بعدي جاء الصبي فسرق كل الفرحة من خافقي
فالراوي حاول إبراز التناقض الجائر بين وضعين متناقضين من خلال مفارقة تصويرية كبيرة طرفها الأول هي الشقيقة التوأم وطرفها الثانية هي بطلة سرديتنا ومن خلال وضع كل من الطرفين إزاء الآخر تبرز المفارقة تقول البطلة: “لم تبق لي إلا العتمة لأسكنها، واحتفظ هو بكل الضوء في قلوبهم /التي بنوا فيها قبرا خلف أفئدتهم نمت فيه طويلاًّ،/كبرت وأنا أحصل على نصف الفرص، ونصف الاهتمام، ونصف
كل شيء يمكنه الحدوث في بيتنا”، هنا يلعب التهميش دوره فتشعر بأنها منبوذة فيظهر هنا الوضاعة متمثلة في سخطها على المجتمع وقد عوضت سخطها عليه في خنق كل جرو صغير أو قطة قابلتها ولو بالمصادفة.
وأحيانا يصل هذا الانحراف المزاجي إلى إيذاء ذاتها حتى نهاها ابن عرس نفسه فقال لها ” يا هانم لا نؤذي أنفسنا ولكن نؤذي الاخر”، وقد اعترفت هي ذاتها بانحراف مزاجها بمساعدة ابن عرس فهي بالنسبة له هانم ( في موضعها بالنسبة لابن عرس)فقد كانت تصعق الفئران بالكهرباء / تقتل أفراخ الحمام وتقطع رؤوسها وتلصق التهم بالثعابين والحداء .
وقد اعترفت بتبني ابن عرس لهذا الانحراف المزاجي منها ومساعدتها عليه؛ حيث فكت البطلة شفرت ذلك فقالت :” لعلها عقد صغيرة وجد فيها تنفيسا لرغبات دفينة.”
وكان لحضور التفاصيل في الرواية حضورا وظيفيا يغري المتلقي بتتبّع مساراتها؛ لذلك نجد شذرات في الرواية تدعوا إلى ظهور التشابه بين بطلي السردية الأولى والثانية تقول:” كنت أشعر أنه ضئيل مثلي ومتقازم” – أحب تذوق كل شيء بلساني كأنني عدت طفلة، نكتشف الأشياء بحاسة التذوق، وأكثر ما أشتهيه الدم ” هنا تشابه بينهما فهو كحيوان نشط يحيا على امتصاص دماء الدجاج
أما في السردية الثالثة فبطلتها فدوى فعلى الرغم أنها قد أوتيت من كل صور النعيم فوالدها برلماني كبير ورجل أعمال , وهي ابنته الوحيدة, وتعامل كأنها ملكة وقد حصلت على أعلى الشهادات من الخارج ؛ يظهر ذلك في حديث بطلة السردية الثانية عن فدوى تقول:” فقد كانت الوحيدة والواحدة من التقمت صدر أمها حتى شبعت وعاطفة أبيها حتى اكتفت” –كانت ممتلئة بكل شيء بلا نقصان” هنا اعتمدت بطلة السردية الثانية في تصوير مأساتها من وجهة نظرها على مقابلة تقيمها بين حالة فدوى وبين حالتها لتعمق لدينا الاحساس بالدونية التي تشعر بها .وعلى الجانب الأخر كانت فدوى نفسها تشعر بالتهميش والدونية فقد سافر والدها بقرار فردي وبلا نقاش وتركها وحدها هي وأمها حتى أنها تعترف بأنها ضحلة سياسيا على عكس مازن فهو من طينة هذه البلد ويشبهم فهي ليس لديها قضية تضحي من أجلها؛ لذلك كان ارتباطها بمازن فقد كان بالنسبة لها هو القضية التي يمكن أن تضحي من أجله ؛ لتعوض النقص السياسي التي هي عليه ” ولمازن جغرافيا هذه البلد ونبض هذا الوطن، منشغل به ومهموم له.” ، تشعر أيضا بالتهميش والدونية عندما تقول” لوكان هنا لشاركهم هلعهم هم وطمأنني أنا، هو من طينتهم، يشبههم” , ولقد خذلها والدها عندما حاولت أن تحدثه إلكترونيا مما عمق لديها الشعور بالتهميش تقول: “كان والدي عبر تطبيق إلكتروني يحدثني وهو ينظر في ساعته، فشعرت بأن وقته صار ضيقا، (رواسب جديدة زادت من الملح)هنا تعترف بعقدتها وبأنها مهمشة ثم يأتي دور المونولوج ليظهر لنا كل الهواجس والأفكار المقابلة لما يدور في باطن شخصية فدوى من مشاعر وانفعالات تقول:” شعرت بأنه يطردني بلباقة من محبته. هل صرت عبئا، أم فعلّاً هو منشغل عني؟ وقد أفضى هذا الحوار الداخلي إلى إظهار ما تعانيه البطل من تهميش ؛ لذلك أطلق عليها الكاتب اسم فدوى من الفداء فهي تحاول أن تكون لها قضية أو غرض نبيل تضحي من أجله ، ولأنها ضحلة سياسيا على عكس مازن فقد اختارته ليكون قضيتها ؛لتعوض به النقص الموجود بداخلها . تقول عن مازن :” فلِم اكتفيت به وأغلقت القلب وكأني استطيبت عبودية الانتظار والوفاء لميت؟!”
– ثنائية ( الاصالة والوضاعة”) في الرواية:
ومع تزاحم الأحداث وتواليها المتتابع المتسارع ومن خلال الرصد الدقيق للتفاصيل الذي أجاد الكاتب في رسمها في روايته ذات السرديات الثلاثة يظهر لنا عقد النقص لدى أبطال سردياته جميعها ليأتي بعد ذلك ثنائية ( الاصالة والوضاعة”)
فقد استغلت بطلة السردية الثانية وضعها الصحي وأخذت تلعب على عاطفة الجمهور في الميديا لتتكسب من ذلك المادة تقول: وشعبنا طيب وحالتي كانت تضغط فيهم علي جزئية العاطفة ” وقد سارت على هذا النهج كما سار معلمها عندما لعب على الترند كما جاء في واقعة السلعوة تقول: “ووجدت محررين لصفحات بكاميرات الموبايلًّات المحمولة تلتقي ابن عرس ليحدثهم عن براعته في تفادي هجوم السلعوة وآلاف التعليقات تنهال على البث المباشر” ، ومع توالى الأحداث في السرديات الثلاثة ومع ملاحظة استخدام السارد لهندسة السرد حيث يلجأ فيها إلى ألوان من الحركة فيقدم ويؤخر ويتخطى ويتراجع يظهر لنا فعل الوضاعة التي قامت بها بطلة السردية الثانية مع ابن عرس في حق فدوى ؛ فقد قاما بقتل مازن والقياه في البحر فهي لم تقبل أن تتركه لفدوى فقد أحبته أو ربما أحبت اهتمامه وهي المحرومة من الاهتمام تقول:” هل كان يعرف أني مهما كنت متجاوزة ومتقبلة فكرة التهميش لن أكون في كل الحكايات سقط متاع، – هنا التصريح بالعقدة التي تعانيها التهميش- ولن أقبل أبدا أن أكون سلما ليرتقي لقلب فدوى؟ ألم يفكر للحظة أني أحببت سؤاله واهتمامه”
فقد قررت أن تنهي حياته بعد صراع مع نفسها قامت بإيذاء نفسها أولا كتلك الخدوش التي بقلبها تقول:” قررت فجأة أن ينتهي كل هذا… بعد أن قضيت ليلة شرسة مزقت فيها جسدي، وأحدثت خدوشا وجروحا كتلك التي بقلبي، أترك لفدوى حدادها الصامت، ولفواز خطوات محو كل أثر، ولابن عرس لعب دوره في رثاء الكفر لفقدهم واحدا من ِ خيرة شبابهم.. مازن”
هنا يتضح لنا أنها هي من قتلت مازن انتقاما منه ،جاء هذا تلميحا من خلال الجو النفسي بإلقائه في البحر فقد التقمه البحر عمدا بيد بطلة السردية الثانية وابن عرس يأتي ذلك من خلال دلالة الاسم ” مازن” فهو السحابة الماطرة فقد كان مروره كالسحاب الذي مر على قلب فدوى وقلب صغيرتها بطلة السردية الثانية فكان حقا عليه أن يغيب في الماء يعضد موقفنا هذا المونولوج الداخلى لبطلة السردية الثانية لتكشف لنا عن حقيقة وضاعتها قولها عن فدوى وهي تتخيل كيف مات حبيبها “طيبة هي فدوى، فلنترك لها حدادها ونهتم بأمور أخرى تحتاج إلى تيقظ وبعض الحذر”
ومن المشاهد التي تستوقفنا وتجذب انتباهنا المشهد الختامي في الرواية حيث تفضي الرواية فيه لكشف أسرارها فنرى بطلة السردية الثانية وبمساعدة ابن عرس وقد غيابا بإرادتهما “فدوى ومالك” معا ربما قتلاهما أيضا يعضد ذلك قولها في خاتمة الرواية :” كان علي أن أرحل ومعي ابن عرس؛ نحن غرباء عن صفوت وإن لم نكن غرباء عما أصابه من ألم نملك سبلّاً للتواصل مع فواز، ونملك حيلّاً تتجاوز المسافات… كل الأحاجي هنا تجتمع خيوطها جميعا في صندوق أسراري.”
فهي هنا تعترف بأنهما سبب ألم صفوت في فقدانه زوجته وأخيه.
على الجانب الآخر فقد تعاملت فدوى هي وأهلها معها بأصاله فقد تبنتها صحيا وجسمانيا وماديا فكانت المفارقة بالقضاء عليها وعلى من تحب. فهي لا تسمح بالتعايش السلمي ولكن قدر موت إحداهما لتحيا الأخرى.
وربما تتشارك هذه المفارقة بين موقف (بطلة السردية الثانية مع ابن عرس) وفدوى بموقف فدوى نفسها مع زوجها صفوت وأهله ومع عائشة زوج مالك ؛ ففي حقيقة الأمر لم تكن فدوى بكل هذه الأصالة فقد تعاملت بوضاعة مع زوجها وأهلها ,ومارست عليهم دونيتها فقد سمحت لنفسها بخيانة زوجها صفوت وهو اسم يحمل في طياته العلو والرفعة فهو من صفوة المجتمع والذي تعامل معها هو وأهله بطيبة وتركا لها مساحتها دون أن يجور عليها هو أو أهله، ومع ذلك فعندما وجدت مالك شقيق زوجها وقد ألقت عليه شبه مازن حبيبها السابق ربما لتقاربهما الجسماني , وربما لتقاربهما الفكري فهي تريد أن تجد قضية للتمسك بها وتضحي من أجلها فجعلت من مالك قضيتها تقول: “الأيام هي التي جاءت بك أمامي لأراك بشهية الجائع بعد أن تخيلت أني أحمل ُ نبلّاً غير ملوث لصفوت شقيقك. مالك.. مازن، لا تهم الأسماء”.
هنا الوضاعة ربما جاءت من التهميش الذي حدث لها سلفا .فنراها تترك موطنها لتسافر بمالك إلى أوربا للعلاج؛ حيث أصبح القرار بيدها ، فقد عقدت العزم على ارتكاب جريمتها تقول:” لا تخف يا حبيبي، الحياة قاسية، ولكن ليس للحد الذي يجعلنا نختبئ ونرضى.. سأرتكب أي جريمة بسببك، ولن أتركك لأحد غيري” تقصد هنا زوجته عائشة ” وهي مثال للطهر وللتمسك بالدفاع عن قضية حقيقة قضية وطن تشاركت في هذا مع مالك زوجها فكلاهما مشرد ،كل منهما يحمل قضيته بأدواته المناسبة لهما فكلاهما وفيَ للمواقف لا للأشخاص ” حيث يصف مالك عائشة فيقول عنها:” ومواقف عائشة نابضة بالحب فهي إنسانه من الدرجة الأولى بعدها يأتي دور الزوجة والأم والصديقة” ويقول أيضا:” كنا نقف في الزاوية نفسها من وجهات النظر فالتقيا قلبانا وعقلًّنا، وتدثرنا في غربتنا بغطاء واحد للننجب طفلنا “زياد” ”
وإن كان مالك قد تعثر بعض الشيء وانساق بأفكاره لفدوى ولكنها كانت لحظة عابرة ، حيث يظهر المونولوج الداخلي لمالك وهو يتحدث عن تدينه” هل أحتاج إلى التقوى لأملك القدرة على الصمود؟ أنا متدين بطبعي، مقيم للفروض، ومؤد للصلًّة رغم كل ما أملكه من صخب، قرب عائشة علمني كيف أمارس مسؤوليات الدنيا والدين ببساطة دون جهد.”
التزام مالك يعضد أنه أمتلك قراره بنفسه ولن يشارك في هذه السقطة، فلم يهرب مع فدوى بل يعضد أنهما قتلا على يد بطلى السردية الاولى والثانية ، و لمالك رأي أخر في فدوى فهي تشبه الأميرة ديانا ، لكن حتى في هذه اللحظة يستحضر الوجه القبيح لديانا ، “..ترى لو أخبرتها أن لديانا وجها قبيحا بداخلها عراه بحثي وتنقيبي وقراءاتي في تاريخها، هل ستصدقني؟ ( هذا هو اعتراف مالك عن تشابه فدوى مع ديانا في الوجه الاخر من القبح والوضاعة، فمهما كانت الشخصية جميلة وعظيمة فثمة جانب من القبح يتوارى داخل هذا الجمال وتندغم به هذه العظمة. وهذا ما جعل مالك يرى في فدوى قبح ديانا.
ثم يأتي المشهد الفيصل في الرواية عندما يمتلك مالك قراره ويعقد العزم على استخدام هذا القرار ، فهو لا يريد أن يخون أخيه، ولا أن يخون زوجته تظهر هنا أصالة مالك عندما يقول: ” وها نحن في عيادة الطبيب الأنيق الواثق أمام قصّر بلًّسيو رويال، وفدوى عليها بعد عودتي أن تفتح قلبها للتهوية كي لا تكرهني، لأن حزمة كبيرة من القرارات تنتظر. هذه تؤكد أنهما قتلا ولم يهربا سويا على الرغم من قوله عنها سابقا” أنه ملهمها وملتهمها وكأنه عاد إلى صوابه وامتلك ناصية قراره. وهذا يدعم رأينا بأنهما قد قتلا معا بيدى ابن عرس وهانمه.
قد عقد الكاتب مقارنة بين موقفين متقابلين بين كل من فدوى وعائشة ففي حين أن عائشة لديها قضية حقيقية نبيلة متمسكة بها وتدافع عنها على الجانب الأخر نجد فدوى تفتقد وجود هذه القضية ؛ فقد اكتشفت أنها تحارب طواحين الهواء ؛ مما جعل فدوى تغار من عائشة ، تلك المفارقة التي توسع الفارق بين الأصالة والوضاعة ، والتي تدل على نجاح الكاتب في تجسيم حجم المأساة الناتجة عن ذلك ،ثم جاء المونولوج الداخلي من جانب فدوى تقول: “هل أصابني جنون خاص جعلني أبحث عن قضية من لا شيء، وأحاول أن أجعل فيها أخلًّاق النبلّاًء والفرسان؟! هنا عرفت فدوى حقيقتها جيدا ، يظهر ذلك من خلال المونولوج الداخلي أيضا والتي عرت فيه فدوى نفسها وقضيتها تماما تقول:” هل أكره مالك وصفوت وعائشة واستقرار تلك العائلة المتماسكة الملتفة حول بعضها بعضا؟ هل حقا أنا شريرة تلك الحكاية، أم ضحية الفقد ومن كانت له بكارة القلب؟ وهل فعلّاً مالك يشبه مازن، أم أني وحدي من أوجدت هذا الشبه والتطابق لأملك أسبابا لمعركة، ونبلّاً فائقا يجعلني أحارب طواحين الهواء بضمير مستريح؟”، ومع ذلك استمرت في ممارسة الوضاعة تقول” أحسست عطشا فركضت تجاه شعوري بمالك، وكشهوة شتوية وأنا أعبر مدينة ماطرة وجدتني أميل نحو شفتيه وأقبله” وهي ترى أن تجريم المجتمع نفسه لأفعالها يجعلها غاضبة ومتمردة أكثر يقول عنها مالك :” شيء في عيني فدوى بالغ التصميم، شيء لا يشبه الحزن ولا الخوف، تلك الأنثى تملك قرارا جاءت من بلًّدها لتحقيقه”
وتبدو الحركة الدرامية في المشهد المختزل في خاتمة الرواية بسردياتها الثلاثة وكأنها نهاية مفتوحة ولكن حقيقة الأمر هذا الانفتاح ما هو إلا تكرار لمسيرة من الوضاعة التي سوف تحدثها بطلة السردية الثانية مع ابن عرس. تقول” أخبرت ابن ِ عرس أن يعيدني إلى البيت فحملني إلى سريري وهو يخبر الشاب الذي اختاره ليلًّا بأن اليوم سنٌحدث فارقا ونسبب بعض الألم لأحدهم… أعطيه ورقة فيها اسم أحدهم…فيغلق الباب لأنام، وروحي تصدر صريرا َ كباب صدئ قديم”.
– تعد رواية ” جبال الملح ” من روايات الواقعية الوصفية ؛ وذلك لرصدها الواقع بكل تفاصيله.
– إن نظرة تأملية في العلاقات التي تربط بين شخصيات الخطاب السردي في” جبال الملح “، تبين أهمية الدور الذي تقوم به كل شخصية إزاء بقية العناصر ، بقصد توجيه عملية السرد إلى الشكل الذي يريده الكاتب من جهة، وتأسيس هيكل البنية السردية من خلال تضافر بنية الشخصية مع بنية الحدث من جهة ثانية.
– لقد تعددت الاصوات في الرواية فكثيرا ما كان الكاتب يتراجع عن دوره في العملية السردية ويترك فعل السرد لإحدى الشخصيات ، لتمارس دورها .
– لم يترك السارد شخصية من شخصيات روايته إلا وتتبع تفاصيلها الجسدية والنفسية مهما كان دورها في الحكاية أساسيا أو هامشيا ؛ فهو هنا لا يفوت فرصة إلا ويقتنص من جسدها بعضا من التفاصيل مما يراه قابلا لأن يفصل فيه بما يلائم المقام الذي تتنزل فيه والمقصد الذي يريده.
– كما نجد أن المكان في الرواية لا يمكن أن يؤخذ ككيان مستقل بقدر ما يأخذ كجزء من قضية كبرى أعم وأشمل فهي خاصة بثنائية الأصالة والوضاعة في الرواية. فمن خلال فضاءات الأمكنة التي استخدمت في الروية والتي تشمل الوطن بقراه ومدنه فما يحدث فيه من فساد يعبر عن وضاعة موقفنا تجاه هذا الوطن بأصالته أيضا استخدام “أسبانيا “وذلك لتشابه الطبيعة بينها وبين الوطن العربي فهي الحضارة العربية المفقودة ” الفردوس المفقود / الأندلس وقد ذكر بعض من هذه المدن كـ ” غرناطة أشبيلية- طليطلة” وكأنها بأصالتها حضارة عربية وبوضاعتنا فقدت منا وكأنه تعرية لحال المجتمع العربي كله.
– استخدم الكاتب تقنية الارتداد إلى الخلف أكثر من مرة ؛ فبعدما يتحدث في مشهد رجوع مالك ولقاءه الأول مع فدوى، يعود ليتحدث عن تسجيلات ابن عرس لبطلته ،ليتحدث عن موسم الامتحانات في القرية ثم يعود ليتحدث عن أمين مخازن بالجمعية الاستهلاكية ،وكذلك موقف امين المخازن المخزي مع محصل النور، ثم يتدخل الراوي في السرد ليتحدث عن اختفاء ورقة الأسئلة بالمدرسة لتصبح فضيحة مدوية مما جعلهم تحت المجهر ولتكوين لجنة لتقصي الفساد الواقع لتلك البؤرة الإجرامية وكذلك يعود ليتحدث عن أصحاب اللذة الحرام وتسريب فيديوهات لهم بشكل واضح جعلهم نجوما للبورنو ،والكاتب بهذا يعري الواقع الموبوء ويظهر مدى الفساد المنتشر في هذا المجتمع وقد كان هذا من الوضاعة التي تتسم بها شخصيات الرواية.
– يزاوج الكاتب بين السرد والوصف فهناك عملية تداخل بين الاسلوبين وصف الأحداث مع وصف الشخصيات فالتناغم حاصل دائما بين التفاصيل والمقام الذي توظّف فيه. قد نجد مراكمة لهذه التفاصيل ولكنها مراكمة لا تذهب بالتناسق بين التفاصيل في ما بينها وبين الحيز المكاني والزماني الذي تشغله أو في ما بينها وبين الشخصيات، وإنّما تؤكده وتقويه؛ فكل تفصيلة لها موضعها الخاص بها في السردية، والذي يجب أن تكون فيه. وكل تفصيلة لها وظيفتها في منظومة التفاصيل التي تجاورها.
– استخدام الرمز في الرواية يظهر ذلك منذ العنوان ” جبال الملح ، ثم أنه أضفى على كل شخصية الرمز الخاص بها من خلال اسمها فيستخرج الرمز من الالفاظ ودلالتها فيبنى من خلاله الكاتب علاقات تتصل بالواقع المعيش لكل شخصية وبحظها من الثنائية الضدية( الاصالة والوضاعة” ، بل وقد استخدم رمز الأمكنة أيضا فعندما اختار إسبانيا ؛ليذكرنا بالفردوس المفقود الأندلس كما ذكرنا سابقا.
– تنوع الكاتب بين استخدامه تكنيك السرد والحوار سواء أكان حوارا داخليا -وهو الغالب هنا – أم حوار خارجيا .
– استخدام الكاتب للغة الحياة اليومية وكذلك استخدامه لغة وسطى بين الفصحى والعامية ولا غضاضة في ذلك فالمذهب الواقعي بشكل علم اتجهت مادته اللغوية نحو لغة الشعب المحكية والاقتراب منها إلا أن ذلك لا يعني تحطيم قواعد اللغة وأصولها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى