ولاء مدبولي تكتب: طنطا بين الذكرى والجهل

“ليس كل ما توارثناه حقًّا، فبعض العادات تُورّثنا جهلًا ونحن نظنها عبادة.”
في كل عام، تتزيّن مدينة طنطا بالأضواء والرايات، وتتحول شوارعها إلى مهرجان ضخم يملؤه الزحام والطبول والبخور.
يأتي الناس من أماكن مختلفة يحتفلون بمولد السيد البدوي، تلك المناسبة التي تجمع بين الروحانية والفرجة، بين الذكرى الدينية والعادات الشعبية.
لكن وسط هذا الحشد، يختلط الإيمان بالخرافة، وتذوب حدود العقيدة في مشاهد تُثير الأسى أكثر مما تُثير الفرح.
من هو السيد البدوي؟
الإمام أحمد البدوي أحد أبرز رموز التصوف في مصر والعالم الإسلامي. وُلد في مدينة فاس المغربية عام 596هـ، انتقل إلى مصر ليستقر في مدينة طنطا بمحافظة الغربية.
اشتهر بورعه وزهده، فأصبح رمزًا للطريقة الأحمدية الصوفية.
عُرف بين الناس بـ“شيخ العرب” و“البدوي” نسبةً إلى ملامحه ونمط حياته البسيطة، وكان له أتباع كُثُر رأوا فيه وليًا صالحًا تُنسب إليه الكرامات.
نشأة الضريح وتاريخ المولد:
بعد وفاته عام 675هـ / 1276م، أُقيم له ضريح كبير في قلب مدينة طنطا سرعان ما أصبح مزارًا للناس من شتى أنحاء البلاد.
ومع مرور الزمن، تحوّل إلى مركز ديني شعبي يحتفل الناس بذكراه سنويًا فيما يُعرف بـ“مولد السيد البدوي”.
ويُعدّ هذا المولد من أكبر التجمعات الدينية في مصر، إذ يتوافد إليه الملايين منذ قرون، حاملين نذورهم وأمنياتهم، في مشهد يجمع بين الطابع الديني والاحتفالي الشعبي.
وأنا أرى أن الدين بعيد كل البعد عن هذا وشيء محزن أن تكون تلك الخرافات في حالة تزايد !!!
أغراض الناس من الزيارة:
يتنوع القادمون إلى مولد السيد البدوي في نياتهم ومقاصدهم:
• منهم من يأتي بدافع روحي لزيارة “الولي الصالح”.
• وآخرون يقصدونه طلبًا للبركة أو الشفاء أو الرزق.
• وهناك من يراه فرصة للاحتفال والتجارة، فتمتلئ شوارع طنطا بالبائعين والمطاعم والأنشطة الشعبية.
لكن مع هذه الأجواء، تظهر مظاهر سلبية كثيرة بعيدة عن جوهر الدين، حيث يخلط البعض بين الإيمان الحقيقي وبين ممارسات مليئة بالبدع والخرافات.
الضجة التي أثارها المولد هذا العام:
هذا العام، لم يكن مولد السيد البدوي مجرد مناسبة دينية، بل تحوّل إلى حدث مثير للجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
فقد انتشرت مقاطع تُظهر أشخاصًا يطوفون حول الضريح يتمسحون بأبوابه، وينادون “يا بدوي مدد”، بينما تُقرع الطبول وتُرفع الأغاني الشعبية في الساحات.
تلك المشاهد أثارت استياء واسعًا، إذ فهي انحرافًا عن العقيدة، وتجاوزًا للحدود المقبولة بين التقدير المشروع والغلوّ المرفوض.
حين يتحول الإيمان إلى جهل:
إن ما يحدث في مثل هذه الموالد لم يعد مجرّد عادة تراثية، بل أصبح دليلًا على جهلٍ متجذر ما زال يعيش داخل بعض العقول.
فالتمسّح بالأضرحة وطلب العون من الأموات شرك بالله، يخالف التوحيد الذي هو أساس الدين.
وفي زمنٍ تسير فيه الأمم نحو الفضاء والذكاء الاصطناعي، لا يجوز أن نظل أسرى لمظاهر تسيء إلى الإسلام وتُكرّس صورة التخلف أمام العالم.
دور الدولة ورجال الدين:
على الدولة ورجال الدين أن يتعاملوا مع هذه الظواهر بحسمٍ ووعي، لا بالتجاهل أو المجاملة.
فالدين لا يحتاج لمن يبتدع له طقوسًا جديدة، بل إلى من يُعيد الناس إلى صفاء العقيدة ونور العلم.
من هنا تأتي أهمية دور الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف في التوعية، ومراقبة ما يجري داخل تلك الاحتفالات، حتى لا تتحول إلى مواسم شرك وابتذال باسم الولاية والبركة.
خطر استمرار العادات:
استمرار مثل هذه العادات يُشكّل خطرًا مباشرًا، لأنها تزرع في النفوس مفاهيم مغلوطة عن الدين، وتُضعف قيم التوحيد والاعتماد على الله.
كما أنها تفتح الباب أمام الاستغلال المادي والعاطفي من بعض المنتفعين بهذه المناسبات، فيتحول الدين إلى تجارة، والولاية إلى وسيلة للربح والجهل.
الله وحده القادر على النفع والضر، وكل ما سواه بشرٌ يخطئ ويصيب.
إننا في زمنٍ يحتاج إلى إيمانٍ واعٍ لا انفعالٍ أعمى، وإلى دينٍ نقيّ خالٍ من الخرافة.
ولعلّ ذكرى السيد البدوي تكون دعوة للعودة إلى صفاء العقيدة، حتى لا تبقى طنطا بين الذكرى… والجهل.



