الاختراق الحقيقي: حين تُخترق المرأة لا حساباتها

في زمن يُفترض فيه أن يكون “الهاكر” هو من يخترق حسابات التواصل الاجتماعي، اكتشفتُ أن أخطر أنواع الاختراق ليس تقنيًا، بل إنسانيًا وفكريًا. اختراق يتم حين تُرى المرأة بعينٍ لا تشبهها، وتُحاصر داخل قالبٍ لم تختره، وتُجبر على لعب دورٍ لم تُمثّله يومًا.
كثيرًا ما تُقابل المرأة، خصوصًا القوية والمستقلة، باعتبارها مشروع زواج، أو “ربة منزل محتملة”، أو كائناً يحتاج من “يحميه”. حماية من مَن؟
من الرجال أنفسهم.
من نفس المنظومة التي تراقبها، وتطاردها، وتُقلل منها، ثم تدّعي أنها تخاف عليها.
أنا لست صورة نمطية.
لستُ امرأة تنتظر منقذًا.
أنا مدافعة، طبيبة (بالمعنى الإنساني)، ناشطة، مفاوضة في الشأن العام، أفهم المجتمعات الدولية، وأعرف كيف أتعامل مع العالم خارج حدود الخوف. ومع ذلك، أجد رجالًا يصرّون على معاملتي كما لو أنني “لا أعرف”، “لا أقدر”، “أحتاج”.
يقولون: “ليس كل الرجال سيئين”
ثم يعترفون في الجملة التالية أنهم يعرفون رجالًا “خطرين”، “مؤذيين”، “لا يُؤتمنون”.
التناقض هنا ليس بريئًا، بل مريح لهم.
المؤلم أن هذا الخطاب ليس فرديًا، بل ممنهج.
كثير من النساء من حولنا يعانين البطالة، وانعدام الاستقلال المالي، لا لأنهن غير قادرات، بل لأن المحيط الذكوري يدفعهن دفعًا إلى زاوية ضيقة:
اتركي حلمك، اجلسي في البيت، وانتظري من يتزوجك.
وحين تقرر المرأة أن تكون محاربة، أن تمشي في طريقها، أن تطلب الدعم في أكثر لحظاتها احتياجًا، يُغلق الباب في وجهها. لا مساعدة، لا إسناد، لا شراكة. فقط لوم، وتشكيك، وانتظار سقوطها ليُقال: “ألم نقل لكِ؟”
لهذا، كثير من النساء وأنا واحدة منهن يتعلمن أن المسافة أمان.
أن إبعاد الرجال الذين لا يضيفون قيمة، ولا دعمًا نفسيًا، ولا أمانًا ماليًا أو معنويًا، هو فعل بقاء لا قسوة.
الرجل الذي يريدكِ محتاجة له، ضعيفة بدونه، عاجزة من دونه، لا يحبك.
هو يحب شعوره بالسيطرة.
يحب أن يراكِ في “ملكه”.
يحب فكرة امتلاكك، لا حقيقتك.
الحب ليس إنقاذًا قسريًا.
ولا الحماية وصاية.
ولا القرب شراء.
المرأة ليست حسابًا يُخترق، ولا مساحة يُستباحة، ولا مشروعًا مؤجلًا لحياة رجل آخر.
المرأة مشروعها قائم بذاته.
وإلى أن يفهم المجتمع ذلك، ستظل كثير من النساء يبدون “قاسيات”، “منعزلات”، “صعبات”…
بينما هن فقط يحاولن النجاة.
بقلم:
الصحفية أمنية المنياوي



