المشاهير والمهرجانات

جرائم إلكترونية بلا تعريف… فراغ قانوني يهدّد صُنّاع المحتوى في مصر

بقلم: الصحفية أمنية المنياوي – Omnia El Minyawi

 

تشهد مصر توسعاً متسارعاً في استخدام المنصات الرقمية، وارتفاعاً ملحوظاً في عدد صُنّاع المحتوى الذين يعتمدون على الإنترنت للتعبير والعمل وتحقيق الدخل. غير أن هذا الاتساع يتناقض بوضوح مع غياب تعريف محدد وواضح للجرائم الإلكترونية المتعلقة بالأخلاق والقيم المجتمعية، ما يجعل آلاف الشباب أمام مساحة قانونية ضبابية قد تدفع بعضهم خلف القضبان دون قصد أو علم.

 

ورغم وجود قوانين مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إلا أن عدداً من مواده يعتمد على عبارات عامة مثل “خدش الحياء العام” و“انتهاك قيم الأسرة المصرية”، وهي توصيفات واسعة تترك الباب مفتوحاً أمام الاجتهاد الفردي دون وجود معايير تفصيلية منشورة أو دلائل توعوية رسمية.

 

من قضية حنين حسام… إلى سؤال أكبر: أين حدود القانون؟

 

بدأ اهتمامي بهذه الفجوة القانونية منذ قضية حنين حسام، التي أثارت جدلاً مجتمعياً واسعاً، وكشفت من جديد أن صانع المحتوى في مصر قد يكون معرضاً للمحاسبة على سلوك غير منصوص عليه بوضوح.

 

ومنذ هذا الوقت، بدا المشهد أكثر تعقيداً. فبينما تتسع رقعة صناعة المحتوى لتصبح مصدر دخل رئيسي لدى آلاف الشباب، تظل القواعد المنظمة لهذا المجال غير معلنة، مما يجعل الالتزام بالقانون مهمة شبه مستحيلة للأغلبية.

 

خوف مجتمعي… وتجربة شخصية

 

كواحدة من المهتمين بمتابعة وتحليل ظاهرة صناعة المحتوى، وصلتُ إلى قناعة أن المشكلة ليست في وجود القانون، بل في غياب تعريف حدوده. لقد شعرت، مثل كثيرين، أن أي خطوة أو محتوى بسيط قد يُفسّر خطأ أو يُدرج تحت بند “المساس بالقيم”، إلى الحد الذي دفعني إلى حذف تطبيق تيك توك بالكامل، ليس اعتراضاً على المنصة، بل خشية الوقوع في خطأ غير مقصود.

هذا الشعور يتكرر اليوم لدى آلاف الفتيات والشباب، الذين أصبحوا يمارسون “الرقابة الذاتية الصارمة” خوفاً من الوقوع تحت طائلة تفسير قانوني فضفاض.

 

انعكاسات غياب التعريف

 

غياب تعريف دقيق ومعلن للجرائم الإلكترونية المتعلقة بالأخلاق والقيم يترك عدداً من الآثار السلبية:

 

1. انعدام وضوح المعايير أمام صُنّاع المحتوى.

 

2. تفاوت في تفسير النصوص القانونية بين جهات التنفيذ.

 

 

3. تحوّل المنصات الرقمية إلى مساحة خوف بدلاً من كونها مساحة إبداع.

 

 

4. تهديد فرص العمل في قطاع يعتمد عليه آلاف الشباب المصريين.

 

وفي عدد من الحالات، سُجنت فتيات وشباب بسبب فيديوهات عادية رقص، تعليق، كلمة، أو محتوى ترفيهي ليس لكونها جريمة محددة، بل لعدم وجود معيار واضح يفصل بين المقبول والمرفوض.

 

التوازن بين حماية المجتمع وضمان حرية التعبير

 

لا أحد ينكر أهمية ضبط الفوضى الرقمية أو حماية المجتمع من المحتوى الضار. لكن القانون غير الواضح لا يحمي أحداً.

المطلوب اليوم ليس إسقاط القوانين، بل تطويرها وتوضيحها عبر:

تحديد واضح للمحتويات المخالِفة.

 

نشر دليل رسمي لصُنّاع المحتوى.

 

توعية الشباب بحقوقهم ومسؤولياتهم الرقمية.

 

الحد من التقدير الشخصي في القضايا المتعلقة بالأخلاق.

 

إن وجود معايير واضحة يخدم الجميع: الدولة، والمجتمع، وصُنّاع المحتوى

 

 

خاتمة

 

إن الفجوة بين التطور الرقمي والقدرة التشريعية أصبحت واسعة، والنتيجة هي حالة عدم يقين تضع مستقبلاً مهنياً وإبداعياً كاملاً على المحك.

ليس المطلوب إلغاء الضبط أو فتح الباب للفوضى، بل صياغة قواعد دقيقة وواضحة تُعلن للناس، لحماية المجتمع دون التضحية بالشباب ومستقبلهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى