المشاهير والمهرجانات

حين يفقد الإنسان أرضه .. قراءة نفسية فلسفية في أثر الدمار واللجوء .

هاله المغاورى فيينا

ليست الكارثة في الدمار ذاته، بل في ما يتركه خلفه داخل الإنسان. فحين يفقد المرء وطنه، لا يخسر مكانًا فقط، بل يُنتزع منه الإطار الذي كان يمنح لحياته معنى، واستمرارية، وشعورًا ضمنيًا بالكرامة. في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: كيف نعيش؟ بل: كيف نتحمل أن نعيش بعد كل ما انهار؟

من هنا تبدأ الصدمة الحقيقية؛ صدمة لا تُقاس بحجم الخراب الخارجي، بل بمدى التصدّع الذي يُصيب البنية الداخلية للنفس.

تُشير المقاربات النفسية والفلسفية المعاصرة إلى أن الإنسان حين يتعرض لصدمات وجودية كبرى — كالحرب، التهجير القسري، وفقدان الانتماء — يدخل في مواجهة مباشرة مع هشاشته الأساسية. فالهوية، التي كانت تبدو ثابتة، تنكشف باعتبارها بناءً يعتمد على سياق آمن ومستقر. ومع انهيار هذا السياق، تتزعزع صورة الذات، ويظهر ما يمكن وصفه بجرح الكرامة، وهو جرح لا ينزف دمًا، لكنه يُعيد تشكيل الشخصية من الداخل.

علم النفس العميق يرى أن الكرامة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل حاجة نفسية أساسية. وعندما تُسحق هذه الحاجة عبر الإذلال، الاعتماد القسري، أو فقدان السيطرة على المصير، تتفكك العلاقة بين الفرد وذاته. في هذه المرحلة، لا يكون التحوّل في الشخصية خيارًا، بل نتيجة حتمية لمحاولة التكيّف مع واقع لم يعد قابلًا للاحتمال.

أمام هذا الانهيار، يلجأ العقل إلى آليات دفاع معقّدة، هدفها الأول ليس الشفاء، بل الاستمرار. من أبرز هذه الآليات حالة الانفصال عن الواقع، حيث ينفصل الوعي جزئيًا عن التجربة المعاشة، فيتحول الألم إلى شيء مُراقَب لا مُعاش بالكامل. هذه الحالة، التي وُصفت في الأدبيات النفسية بوصفها استجابة وقائية، تسمح للنفس بتقليل حدّة الصدمة، ولو على حساب الإحساس الكامل بالذات.

بالتوازي مع ذلك، تظهر الحاجة إلى إعادة بناء الواقع عبر سرديات داخلية، قد تحمل قدرًا من الوهم أو التبسيط أو المثالية. فالعقل، حين يعجز عن تفسير العبث والفقد، يبتكر معنى بديلًا، ليس لأنه دقيق، بل لأنه أقل تدميرًا. هنا لا يكون الوهم ضعفًا، بل تعبيرًا عن مقاومة داخلية، وعن محاولة يائسة للحفاظ على تماسك الذات في عالم فقد منطقه.

غير أن الفلسفة الوجودية تُحذّر من أن العيش طويلًا داخل هذه الحالة الدفاعية قد يحوّل آليات البقاء إلى سجون نفسية. فالانفصال المستمر قد يُفضي إلى اغتراب الإنسان عن مشاعره، وعن علاقاته، وعن قدرته على الفعل. أما الأوهام، حين تتحول إلى بديل دائم عن الواقع، فقد تُراكم تصدعات جديدة، تجعل العودة إلى الحقيقة أكثر إيلامًا من الصدمة الأولى.

من هذا المنظور، لا يُختزل التعافي في تجاوز الحدث، بل في إعادة بناء العلاقة مع الذات والعالم على أسس جديدة. فالتجارب الصادمة لا تُمحى، لكنها يمكن أن تُعاد صياغتها ضمن سردية أكثر اتساعًا، تعترف بالألم دون أن تختزل الإنسان فيه. وتشير الدراسات النفسية إلى أن الاعتراف بالمعاناة، ومنحها لغة وسياقًا ومعنى، هو الخطوة الأولى للخروج من حالة الانفصال، والعودة التدريجية إلى الواقع دون أن يكون هذا الواقع مُدمّرًا بالكامل.

في النهاية، الإنسان الذي نجا من الدمار واللجوء ليس هو ذاته الذي كان قبلها. لقد أُعيد تشكيله تحت ضغط الخسارة، بين وهم يحميه من الانهيار، وواقع يطالبه بالاستمرار. والتحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة ما فُقد، بل في إيجاد طريقة للعيش مع هذا الفقد دون أن يُفقد الإنسان إنسانيته، أو حقه في الكرامة، أو قدرته على المعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى