رمضان في محراب التاريخ قراءة في ملامح الشخصية المصرية مع الأديب عبد الله المهدي
كتبت/ منى منصور السيد
لا يُمكن قراءة “رمضان” في مصر بوصفه مجرد منسكٍ ديني يمر به الزمن، بل هو “حالة حضارية” استثنائية، تذوب فيها عقيدة السماء في عبقرية الأرض. وفي رحاب هذا الشهر الفضيل، يصحبنا الكاتب والأديب عبد الله المهدي في سياحة أدبية وتاريخية، ليفتش عن الجذور الأولى التي جعلت من رمضان المصري أيقونةً عالمية، تبدأ من رؤية الهلال ولا تنتهي عند حدود الصيام، بل تمتد لتلامس أطراف المجد الفرعوني القديم.
يستهل المهدي قراءته من “ليلة الرؤية”، تلك الليلة التي يصفها بأنها “شيء عظيم” في الوجدان الشعبي. ويستحضر ما سجله الرحالة “ابن بطوطة” في القرن الثامن الهجري حين زار مدينة “الأبيار” بالمنوفية، واصفاً الترتيب المحكم الذي كان يجمع طبقات الناس في بيت القاضي “عز الدين المليجي”، قبل أن يخرج الجميع في موكبٍ مهيب لتحري الهلال. هذا المشهد التاريخي يعكس كيف كان الخليفة الفاطمي يخرج للشوارع محاطاً بالأطفال الذين يضيئون له الطريق بفوانيسهم، في تلاحم فريد بين السلطة والشعب والطفولة التي تغني: “العصفور صوصو.. والشمس ساحت”.
وعن “الفانوس”، يغوص بنا المهدي في دلالاته اللغوية والتاريخية، مشيراً إلى أن معناه الأصلي في “القاموس المحيط” هو “النمام”؛ لأنه يفضح صاحبه وسط الظلام. لكن الفانوس في مصر لم يكن يوماً مجرد وسيلة إضاءة، بل وُلد كرمز سياسي واحتفالي يوم دخول “المعز لدين الله” القاهرة في الخامس من رمضان عام 358 هجرية، حيث استقبله المصريون بمواكب المشاعل الملونة على أطراف الصحراء الجيزاوية. ومن هنا تحولت حرفة صناعة الفوانيس في مناطق كـ “تحت الربع” و”بركة الفيل” من مجرد صفيح وشمعة إلى فن يدوي رفيع، أفرز لنا “فانوس البرلمان” و”فانوس الملك فاروق”، وصولاً إلى الفانوس الكهربائي الحديث الذي يرى المهدي أنه سلب الشمعة القديمة هيبتها ودفئها.
وفي جوف الليل الرمضاني، يبرز “المسحراتي” كحارسٍ للذاكرة واليقظة. ويؤكد المهدي أن هذه الوظيفة، التي بدأت ببلال بن رباح وابن أم مكتوم، اتخذت في مصر طابعاً رسمياً مع الوالي “عتبة بن إسحاق” (238هـ)، الذي كان يمشي راجلاً من “مدينة العسكر” بالفسطاط إلى “جامع عمرو” ليوقظ الناس. وقد تغلغلت هذه المهنة في الأدب الشعبي، حتى تحولت نداءات المسحراتي من دعوات الفلاح إلى “توحيشات” الوداع في أواخر الشهر، حين ينشد: “يا أم رمضان بيعي خلخالك.. واشتري رمضان يعمر دارك”.
أما عن الصدفة التي صنعت “مدفع الإفطار”، فيشير المهدي إلى عهد “خوش قدم المملوكي” عام 1465م، حين تزامن تجربة مدفع جديد مع لحظة الغروب، فاعتبره الناس إعلاناً نبوياً بالإفطار. وهو ما أكده الرحالة “ريتشارد بيرون” في مذكراته عام 1853م، واصفاً لحظة سكون القاهرة وترقبها لنواقيس الإفطار وصوت المدفع الذي يجلجل من قصر العباسية، فتتحول السكينة إلى “همهمة فرح” عارمة.
وفي لفتة عبقرية، يربط عبد الله المهدي بين ملامح الصيام في الإسلام وجذوره في مصر القديمة. ويرى أن كلمة “صوم” هي في الأصل مصرية قديمة (صاو-ميم) بمعنى “امتنع عن”. لقد عرف الأجداد الصيام لتهذيب النفس، بل وعرفوا “موائد الرحمن” من خلال القرابين الفائضة في المعابد التي كانت تُوزع على الفقراء. ويصل هذا الارتباط ذروته في أغنية “وحوي يا وحوي.. إياحة”، التي يفسرها المهدي بأنها تحية فرعونية للملكة “إياح حتب” (قمر الزمان) أم المحرر أحمس، ومعناها “أشرقت يا قمر الزمان”.
هكذا يخلص الكاتب عبد الله المهدي في قراءته، إلى أن رمضان في مصر ليس مجرد عبادة، بل هو “زادٌ من الروعة والجمال” استمد سحره من قدرة المصريين على صهر التاريخ بالدين، ليخرجوا للعالم شهراً تفوح منه رائحة البخور، وأصوات المدافع، وأنغام “وحوي يا وحوي”، وروحانية الفجر الصادق.



